عبد الرحمن بدوي
مقدمة 6
أرسطو عند العرب
تصدير عام لكل فكر ممتاز حياة حافلة في الضمير الواعي المتطور للإنسانية على تباين عصورها وأجناسها . وبقدر تعدّد صور هذه الحياة وعمق تكوينها وتلوينها يكون خصبها وعظمة صاحبها . ولا جناح عليها أن تتعاورها ضروب من التعديل والتبديل وفقا لعوامل يتصل بعضها بالأسانيد التاريخية ، وبعضها الآخر - وهو الأهم - بالشعوب والأفراد الذين يتمثلون تلك الحياة وذلك الفكر . وإنه لمن السطحية التاريخية في الفهم الحضارى السليم أن نعد في الانتحال أو التزييف مدعاة حذر أو علامة خطأ كان يمكن تجنبه . كلا ، بل الضرورة عينها هي التي تفعل فعلها اللازب في هذا الانتحال أو سوء الاستعمال وما ينشأ عنهما من قلب وإبدال . وتلك مبادئ علينا أن نجيد استخدامها وتطبيقها في إدراكنا لأرسطو عند العرب . فلأرسطو - وإن قلّ في هذا شيئا عن أفلاطون - صور متعددة بقدر الحيوات التي قضاها في ضمائر الشعوب ، بل الأفراد ، الذين مر بهم . فأرسطو عند الرومان غيره عند العرب ؛ وهو عند الأخيرين مختلف عنه عند الغربيين في العصور الوسطى . بل هو في داخل الحضارة الواحدة يتلوّن وفقا لأدوارها : ففي الحضارة العربية نرى صورة أرسطو في مدرسة الإسكندرية في القرون الخمسة أو السبعة الأولى للمسيح ، غيرها في العصر العباسي في بغداد وإيران ؛ وفي الحضارة الأوربية تختلف صورته في العصر الاسكلائى عنها في عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر ، وهذه تختلف كذلك عنها في النصف الأول من قرننا هذا مضافا إليه النصف الثاني من القرن الماضي . ولهذا يخلق بالباحثين أن يتتبعوا هذه الصور المتعددة المتباينة وأن يقدروها وفقا للعوامل المولدة لها . فلهذا أخطر الأثر في بيان كلا الجانبين : جانب المؤثر ( أرسطو مثلا ) وجانب المتأثّر ( من أفراد أو شعوب ) مما يسمح بدقة التقدير لكليهما : الأول في فاعليته ، والثاني في قابليته ، وكلاهما معا في الفهم الإنسانى العام .